أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
108
التوحيد
مع ما لا يشك في حركة انقضت إلا أنها نهاية ما تقدم من الحركات ، حتى لا يكون شيء مما تقدم بعد هذه ، وإذا ثبت نهاية الفناء لها والانقضاء لم يجز أن يتناهى الاقتضاء لما لا يتناهى له الابتداء ، ثبت لذلك الابتداء . وبعد ، فإنا رأينا الجواهر كلها في رأي العين متفاوتة الحدود ، لا يحتمل أن تكون هي كذلك ، على غير أن تكون كذلك إلا عن أقل متفاوت يظهر في أكثره ذلك ، فثبت أن كان لذلك عن أصغر حال يكون عظمه وكثافته بعد أن لم يكن ، ولطف عظمه وكثافته في الكون بعد أن لم يكن لا بشيء تقدمه ؛ لأن في التقديم إيجاب الاستواء ، وقد ثبت التفاوت ، فثبت أن الذي تقدم هو حدث بعد أن لم يكن ؛ إذ هو في معنى ما هو كذلك ، مع ما لو كانت الحركات إذ هي مستديرة لو جعلت مستقيمة من جهة ليكون بعضها على أثر بعض ، وفي وجود بعضها فناء البعض ، ولو وجب قدم الحركات ليجب قدم فنائها ، فتكون في الأزل معدومة موجودة ، وذلك متناقض ؛ إذ لا يجوز اجتماع الوجود والفناء في حال ، فكذا في كل الأحوال ، وفي ذلك لزوم الابتداء . مع ما لو تفاوت في رأي العين ذهاب سرعة أحد سبق آخر ، يسيران سيرا مستقيما ، لا يحتمل أن لا يكون ابتداء أحدهما قبل ابتداء الآخر أو يسير أحدهما أسرع من الآخر ، وفي رفع النهاية عنهما بطلان النهاية بينهما ، وفي بطلانه نقض المحسوس ، ثبت لهما الابتداء ، وكذلك هذا المعنى في المستدير من الحركات ، واللّه الموفق . وبهذا كله ننقض على جميع القائلين بقدم الأعيان ، غير خارجة عن الأعراض ، ولا قوة إلّا باللّه . وبمثله كلّم أصحاب الطبائع . ثم يقال للفريقين جميعا : بم عرفتم أنه كذلك ؟ فإن ادّعوا السّمع فيه عورضوا بالسمع الذي ورد ممن فيهم حجج الصدق ، فهم أحق أن يصدّقوا ، وهم الرسل ، وإن ادّعوا العيان والحس أكذبهم علمهم بأنفسهم ، إنهم لا يذكرون قدمهم ولا شهدوا تدبير النجوم والطبائع ، وإن رجعوا إلى الاستدلال بما عاينوا فليس في شيء مما عاينوا دليل تدبير النجوم ولا قدم الطبائع وتولد العالم من امتزاجها ، بل لو قلب على الفريقين جميعا القول كان أقرب إلى الوجود وأحق في الاستدلال . فأما أمر الطبائع ، فإنه في الوجود إن كثرة الاضطراب والتحرك تولد الحرارة في نفس المضطرب المتحرك ، وكثرة السكون والقرار تولد الرطوبة فتكون الطبائع هي الحادثة من أحوال العالم ، دون أن يكون العالم هو المتولد عنها ، وهذا أقرب إلى حق الحواس . ثم يقال : إنّ اضطراب الفلك وتحرك النجوم وتقلبها على أحوال الاجتماع والتفرق يكون بتقلب أحوال الأرضين وما فيها من أنواع الأشجار البحار والمياه ، وجوهر التفرق التي يعلو بخارها ، أو هي بجوهرها كالنيران والجواهر الحقيقية وبها ينقلب أمر النجوم . وما ذكر